مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

محمد الأبنودى

رئيس تحرير عقيدتي‏ في ‏دار الجمهورية للصحافة‏ عضو المجلس الاعلي للشئون الاسلامية بالقاهرة درس ‏اللغة العربية‏ في ‏جامعة الازهر‏  

الخط المفتوح 

لجان " الغل " الالكتروني!!



أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للصراع الفكري والسياسي، لم تعد المعارك تُخاض فقط عبر المنابر التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء الإلكتروني حيث تنشط ما يمكن تسميته بـ"لجان الغِل الإلكترونية"، وهي مجموعات منظمة تتخذ من الشائعات، والتحريض، والتشويه، ونشر الكراهية أدوات رئيسية لتنفيذ أهدافها. وفي مقدمة هذه اللجان تأتي المنصات التابعة أو المتعاطفة مع جماعة الإخوان، التي دأبت على استغلال كل حدث، مهما كان إنسانيًا أو اجتماعيًا، لبث السموم وتشويه الصورة المصرية.
هذه اللجان لا تتحرك بدافع الحزن على وطن أو الحرص على حقيقة، بل تنطلق من منطق الخصومة الدائمة مع الدولة المصرية، ومن رغبة مرضية في تشويه كل ما هو جميل، والتقليل من أي حالة توافق أو تقدير مجتمعي. فعندما يتعلق الأمر بمصر، يصبح الإنجاز فشلًا في روايتهم، والاستقرار قمعًا، والاصطفاف الوطني نفاقًا، وحتى لحظات الوفاة تتحول لديهم إلى فرصة للشماتة وتصفية الحسابات.
وقد بدا ذلك واضحًا في التعاطي غير الإنساني مع وفاة المحامي والسياسي مختار نوح، الذي مثّل نموذجًا خاصًا في الحياة السياسية المصرية. الرجل الذي عرف جماعة الإخوان من الداخل، ثم اختلف معها فكريًا وتنظيميًا، لم يكن بالنسبة لهذه اللان سوى "منشق" يجب الانتقام منه حتى بعد الرحيل. بدلًا من احترام حرمة الموت، أو الاكتفاء بالصمت، انطلقت منصات ولجان إلكترونية محسوبة على الجماعة في موجة من الشماتة والتشويه، كاشفة عن أزمة أخلاقية عميقة قبل أن تكون أزمة سياسية.
إن الشماتة في الموت ليست خلافًا سياسيًا، بل سقوط إنساني مدوٍّ. فحين يفقد البعض القدرة على التفريق بين الخصومة الفكرية والقيم الأخلاقية، يصبحون أسرى لأحقادهم، عاجزين عن رؤية الإنسان خارج إطار الانتماء. وهنا تتجلى خطورة هذه اللجان؛ فهي لا تكتفي بنشر الأكاذيب، بل تعمل على تآكل القيم، وتطبيع القسوة، وإشاعة مناخ من الكراهية المجتمعية.
مصر التي يعرفها أبناؤها الحقيقيون ليست كما تصوّرها هذه الحسابات المسمومة. مصر أكبر من منشور تحريضي، وأعمق من هاشتاج مدفوع، وأقوى من محاولات منظمة لبث الإحباط. مصر بتاريخها، ومؤسساتها، وشعبها الذي تجاوز محنًا كبرى، قادرة على التمييز بين النقد الوطني الشريف وبين حملات الهدم الممنهج.
المؤسف أن بعض المتابعين قد ينجرفون وراء هذا الضجيج الإلكتروني دون إدراك أن كثيرًا منه يُدار وفق أجندات تستهدف الوعي قبل السمعة. ولذلك فإن المواجهة لا تكون فقط بالحجب أو الرد، بل ببناء وعي نقدي قادر على كشف التلاعب، ورفض تحويل وسائل التواصل إلى مقابر للأخلاق.
لقد أثبتت السنوات أن الجماعات التي فشلت في كسب الشارع عبر الفكرة، تحاول تعويض ذلك عبر الفوضى الرقمية. لكن وعي المصريين، حين يكون حاضرًا، يبقى الحصن الحقيقي ضد هذه الحملات. فالمعركة اليوم ليست فقط على صورة وطن، بل على ضمير مجتمع.
رحل مختار نوح، وبقيت سيرته محل اتفاق أو اختلاف سياسي، لكن المؤكد أن الموت له جلاله، وأن الشماتة فيه تكشف معدن صاحبها أكثر مما تنال من الراحل. أما مصر، فستظل أكبر من لجان الغِل، وأبقى من حملات التشويه، لأن الأوطان لا تهزمها الشائعات حين يكون شعبها مدركًا للحقيقة.